كان رضا بن عمّار أوّل من عارض اتّفاقيّات 3 جوان المبرمة بين تونس و فرنسا، حيث أشرف على مجموعة من المقاومين حددت مجال نشاطها المدن التونسية. تم اعتقاله من طرف الجيش التونسي و الحرس الوطني بمدينة مجاز الباب يوم 21 ماي 1956 و حكمت عليه « المحكمة العليا » سنة 1957، فيما يعرف بقضيّة « المؤامرة اليوسفيّة »، بعشرين (20) سنة أشغالا شاقة.

تم إطلاق سراح رضا بن عمّار سنة 1965، رغم رفضه البات لطلب العفو الرئاسي كما أراد بورقيبة الذي عرض عليه الدخول في تشكيلة الحكومة ليشغل خطّة وزير الدفاع اعتبارا لخبرته الواسعة في المجال العسكري، لكنه رفض بكل لطف. ضلّ رضا بن عمّار نشيطا في مجال حقوق الإنسان و رئيس شرفيا للرابطة التونسية لحقوق الإنسان، و لم يجرأ البتة البوليس السياسي مضايقته نظرا أن حكومة بورقيبة كانت تكنّ له احتراما كبيرا اعتبارا لما قدمّه لتونس. توفّي رضا بن عمّار في 18 فيفري 1979 بعد مرض عضال، بتونس إثر عمليّة جراحيّة  بمستشفى الرّابطة بالعاصمة.

رضا بن عمّار في السادسة من عمره، رفقة والده القاضي سيدي محمد بن عمّار، سنة 1932 في منطقة "سرا ورتان" حيث تعلّم و أحب الفلاحة عن عمّه المرحوم الحطاب بن عمّار

آخر مجموعة يوسفية : « مجموعة رضا بن عمّار »

أعلن وزير الداخلية، الطيّب المهيري، في ندوة صحفية عقدها يوم 21 ماي 1956 عن اعتقال «آخر مجموعة يوسفيّة : مجموعة رضا بن عمّار» بمدينة مجاز الباب على يد الجيش التونسي و الحرس الوطني بالتعاون مع المصالح السرية للإرشادات الفرنسيّة. تمت محاكمته يوم 8 جانفي 1957 من قبل « المحكمة العليا » التي بعثت للغرض في 19 مارس 1956 بأمر رئاسي، كما حوكم صالح بن يوسف و ثلاثة من مساعديه، و أصدرت المحكمة ضدّهم أحكاما بالإعدام غيابيّا بحيث كانوا بحالة فرار. سبعون (70) آخرون من المقاومين تم القبض عليهم، و دامت المحاكمة حولي ثلاثة عشر (13) يوما وعرفت القضيّة بـ »المؤامرة اليوسفيّة ». ثلاثة من المناضلون تم إعدامهم يوم 2 فيفري 1957.

ذكرت الصحف آنذاك، أن من مشاهير تلك المحاكمة الجائرة  المناضلون « رضا بن عمّار » و رفيقه « علي الزليطني »، الذين أصدر تجاههم حكم عشرون (20) سنة أشغال شاقة وهي أقسى الأحكام. الآخرون حظيوا بأحكام خفيفة و غرامات مالية  و منهم من تم إطلاق سراحه.

تأسيس جيش التحرير الوطني التونسي : المجلس الأعلى للمقاومة المسلحة

اثر اغتيال الزعيم النقابي فرحات حشاد، قّّرّرت مجموعة من المقاومين : رضا بن عمّار، صالح بودربالة، حمادي غرس، الهادي الورتاني، نور الدين بن جميع…بعد التشاور وعدة اجتماعات سرية، تأسيس « المجلس الأعلى للمقاومة المسلحة » ليكون لاحقا أوّل نواة لجيش التحرير الوطني التونسي، و اجتمعوا بجامع العمران، الذي كان القاضي محمد بن عمّار إماما خطبيا به منذ إنشائه، و أقسموا على القرآن الشريف أن يضحّوا بالغالي و النفيس لينتقموا من قتلة فرحات حشاد  باللجوء إلى المقاومة المسلحة. قام صالح بن يوسف بتعيين رضا بن عمّار قائدا لجيش التحرير الوطني التونسي بتونس العاصمة و أحوازها. كان هدف المجلس المذكور ضد اغتيال أو قتل أي تونسي مهما كانت اتجاهاته السياسية ما لم يكن خائنا للقضية التونسية : « فلا عاش في تونس من خانها ».

اتفاقيات 3 جوان 1955 بين تونس و فرنسا

إبتداءا من 20 نوفمبر 1955، عرفت حركة المقاومة المسلحة الانقسام بين رافضي الاتفاقيات و بين من استجاب لدعوة الحزب الدستوري بالعزوف عن أي عمل عسكري ضد فرنسا. بعض القادة استجابت لهذه الدعوة أمثال : لزهر الشرايطي، الساسي لسود و مصباح الجربوع،  في حين رفضها الطاهر لسود و ما يسمى بـ »مجموعة رضا بن عمّار » الملتجئة إلى المشرق العربي آنذاك. صرّح أحد أفرادها أن رفضهم لاتفاقيات الاستقلال الداخلي كان قد سبق رفض التيار اليوسفي لها. و شاءت الأقدار أن يترأس القاضي سيدي محمد بن عمّارالورتتاني، والد المرحوم رضا بن عمّار، لجنة عرفت بـ »لجنة الأربعين » كانت قد عينت للنظر و إبداء الرأي في الاتفاقيات، حيث تم صياغة التقرير النهائي بمنزله الكائن بضاحية المرسى، مع حراسة مشدّدة من طرف جيش التحرير و الحزب، احترازا من عملية إرهابية من « اليد الحمراء ».

القاضي محمد بن عمّار يقرأ تقرير "لجنة الأربعين" الذي ترأسها، أمام المجلس التأسيسي حول اتفاقيات تونس و فرنسا الخاصة بالاستقلال الداخلي.

القاضي محمد بن عمّار يقرأ تقرير "لجنة الأربعين" الذي ترأسها، أمام المجلس التأسيسي حول اتفاقيات تونس و فرنسا الخاصة بالاستقلال الداخلي.

و في هذا الصدد يقول أحد أساتذة التاريخ الفرنسيين التقدميين في تحليل الأحداث التي أعقبت التوقيع على اتفاقية « الاستقلال الداخلي » لتونس سنة 1955، ما يلي:

 » …طلب بورقيبة مساندة القوات الفرنسية له من أجل قمع سريع وبدون رحمة كل رافضي الاتفاقيات، فقبلت الحكومة الانتقالية فوراً، وتحصلت القيادة العسكرية التونسية على الإمكانيات التي حرمت منها من قبل كي تقضي على  » الفلاقة  » و رجال حرب المجموعات المسلحة في تونس المتمركزة بالجبال التونسية، وشنت الجيوش التونسية والفرنسية التي يدعمها الطيران بقيادة الجنرال « غيوبون » حملة إبادة سريعة. فتم سحق الانتفاضة في ستة أسابيع بينما أسدلت الصحافة الصمت على الحوادث.‏

لقد أدرك بورقيبة أن التسوية السياسية مع الاستعمار الفرنسي هي مفتاح الحل للمسألة الوطنية التونسية، لذلك ضحى بالمقاومة المسلحة وعمل على تجريدها من السلاح، لأنه يعلم أن استمرار المقاومة المسلحة ضد الاستعمار الفرنسي، يعني أن مركز الثقل السياسي سيميل بكل تأكيد لمصلحة الحركة اليوسفية التي تقود هذا الكفاح المسلح، والمتحالفة عضوياً مع الثورة الجزائرية.

وعلى الرغم من أن صالح بن يوسف حاول أن يحسم الصراع مع بورقيبة على أرضية سياسية، من خلال انعقاد مؤتمر تاريخي للحزب ليحسم الشعب الخلاف حول الاتفاقات، إلا أن بورقيبة بتحالفه مع الاستعمار الفرنسي ولجوئه إلـى القوة لحسم الخلاف مع خصمه، جعل بن يوسف يحتاج إلـى أسلوب المواجهة العسكرية أمام بورقيبة الذي هزمته شعارات العروبة والإسلام المتجذرة في أعماق نفوس الشعب التونسي. آنذاك استقطبت الحركة اليوسفية قيادات حركة المقاومة المسلحة في تونس، ومن بينها الطاهر الأسود باعتباره القائد العام لجيش التحرير التونسي، ومجموعات فدائية تتألف من عناصر تونسية وجزائرية مشتركة ومن أبرزها مجموعات « رضا بن عمّار » بالعاصمة… »

الرئيس الجزائري أحمد  بن بلّة  و  رضا بن عمّار

كان أحمد بن بلّة، أول رئيس للجزائر بعد الاستقلال، يكنّ احتراما كبيرا لرضا بن عمّار و مجموعته لما قدّموه من مساعدات للمقاومين الجزائريين. ضغط أحمد بن بلّة على بورقيبة، واضعا قضيّة الحدود بين البلدين على المحك، لإطلاق سراح رضا بن عمّار وعدم اغتياله في السجن، و ذلك حسب تصريحاته في برنامج « شاهد على عصر » تم بثه على قناة الجزيرة يوم 27 أكتوبر 2002، حيث يقول :  »…أحمد بن بلة:  بعد ذلك صالح بن يوسف بنفسه كان فيه مشكل.. مشكل بتاع 2 إخوان مسؤولين كبار « رضا بن عمّار » و »حمادي » هادوا كانوا مسؤولين في تونس بالذات….

فقال لي بورقيبة : مسألة الحدود أنا معاهدك يعني على مدة  بتاع 15 يوم 20 يوم نخدوها ونساعدوكم في المرور.

قلت له: أنا عندي طلب، أنتم حكمتم بالإعدام على « رضا بن عمار » وعلى « حمادي »، لازم نسمع اليوم في الإذاعة بتاعكم 8 ليلاً بأن الرئيس بورقيبة عفى عنهم.

قال: كيف يعني؟ قتل العرب..؟

قلت له: هذا هو شرطي، لو تنفذوا فيهم الحكم ما راح ما فيش حل. وفعلاً 8 بعد الليل طلعوا الإذاعة بأنه المجاهد الأكبر قرر العفو على.. يعني مش.. مش مش العفو تنفيذ يعني.

أحمد منصور: إيقاف تنفيذ الحكم.

أحمد بن بلة: تنفيذ الإعدام، وبالفعل يعني وقع هذا.

أحمد منصور: يعني العلاقة بينك وبين بورقيبة بشكل عام لم تكن جيدة كذلك.

أحمد بن بلة: أي نعم، ما كانش…. »

من اليمين إلى اليسار : رضا بن عمار، أحمد بن بلة و ثلة من المناضلين

من اليمين إلى اليسار : رضا بن عمار، أحمد بن بلة و ثلة من المناضلين بالميناء الحربي بطرابلس بعد عملية الفرار البطولية من زندالة باردو سنة 195

عملية الفرار البطولية من زندالة‮ ‬باردو‮ ‮ ‬ليلة‮ ‬22‮ ‬أوت‮ ‬3591

إثر اعتقال المناضل نور الدين بن جميع، و زجّه في السجن المدني يوم 5 جوان 1953، وجد به ثلة من رفاقه في الكفاح منهم: رضا بن عمّار، حامد الزغل ومصطفى الورتاني… وفي تلك الفترة كان أحد الحرّاس الفرنسيين يضايق السّجينة شاذليّة بوزقرو و رفيقاتها ويحاول النيل من شرفهن. قدمت شاذلية بوزقرو شكوى إلى إدارة السجن دون جدوى، فقررت، مع رفيقاتها، الدخول في إضراب جوع و شكلت هذه الحادثة فرصة لتضامن المقاومين معهن وإعلانهم العصيان… فقررت إدارة السجن نقلتهم إلى « زندالة باردو » عقابا لهم، وكانوا سبعة (7) أنفار منهم : رضا بن عمّار، حمادي غرس، الطاهر المكّاوي و نورالدين بن جميع… تمت نقلة المذكورين في أواخر جوان 1953، ففرح المساجين هناك بقدومهم لأنّهم كانوا قد شرعوا في إعداد خطّة للهروب بمبادرة من المناضل حمدة جنيح، غير أنّ المسؤول عنهم بالزندالة، المرحوم محمود بن ڤارڤة‮، ‬منعهم‮ ‬من‮ ‬انجاز‮ العمليّة‮ ‬خوفا‮ ‬عليهم‮ ‬من‮ ‬أخطار‮ها و عواقبها. بعد تحمّس‮ ‬المناضل‮ ‬المرحوم‮ ‬رضا‮ ‬بن‮ ‬عمّار‮‮ ‬وتبنيه‮ ‬لخطة الهروب، ‬تحمّل‮ ‬ نور الدين بن جميع ‬و رفاقه‮ ‬مسؤوليّة‮ ‬دراستها‮ ‬وإحكامها‮‮.‬ و هكذا شرعوا في الحفر ليلا لإحداث ثغرة بالجدار السميك لمدّة تناهز الشهرين إذ كانوا يهشمون الملاط المحيط بالحجارة من جميع جوانبها مستعملين في ذلك أدوات بسيطة كأطراف الملاعق، وكلّما تحرّرت حجارة أخرجوها ثمّ أعادوها مكانها و سدوا الثغرات بمادة « البسيسة » بعد مزجها بالرماد.

كانت والدة المرحوم رضا بن عمّار،المرحومة الحاجّة حبيبة السقّال، تزود ابنها بمادة « البسيسة » التي ترسلها له مع حفيدها بوتيرة منتظمة، و كان قائد السجن الفرنسي لا يرفض لها طلب احتراما لزوجها القاضي سيدي محمد بن عمّار الورتتاني. و كان رضا بن عمّار و رفاقه يستعملون « البسيسة » لسد الثغرات التي كانت من الإسمنت بحيث لم يتفطن لها حراس السجن رغم شدة مراسهم. هكذا فرّ رضا بن عمّار و ستة و أربعون (46) من رفاقه ليلة 22 أوت 1953 من الزندالة. أربعة من رفاقه تم القبض عليهم و قتل أحدهم من طرف الجيش الفرنسي. أصدر المحافظ العام « نيو » (Niaux) أمرا بالقبض على الفارّين حسب ما ينصّه الفصل عدد 48 من القانون العسكري الذي يقضي بالقبض على الفارّين أو قتلهم. لتحق رضا بن عمّار و رفاقه، مشيا و على ظهور الجمال ليلا و ينامون النهار، بالقطر الليبي بعد مشقّة و عناء طويل. وكانوا الفارّون يأكلون ما تيسّر لهم من غذاء و يشربون من مياه عكرة و ملوّثة التي خلّفت لرضا بن عمّار مرض مزمن بمعدته و كان سبب لوفاته يوم 18 فيفري 1979 بمستشفى الرابطة إثر عملية جراحية فاشلة، في سن 53 سنة، تاركا أرملة و خمسة (5) أبناء لا يتجاوز أكبرهم تسع سنوات. و ليوم الناس هذا لم يكرمه النظام بتسمية نهج أو مدرسة لذكراه، آملين أن ثورة 11 جانفي 2011 المجيدة سترد له الاعتبار و التقدير الذي يستحقه و الذي سلبه منه النظام المستبد البائد.

دفن المرحوم رضا بن عمّار بتربة « آل بن عمّار » بمقبرة سيدي يحيى بالعمران، رحمه الله و كل من جاهد في سبيل تونس.

د. الفاروق بن عمّار